سيد محمد طنطاوي

188

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَه دِينِي . فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِه ، قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ . 6 - ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته في هذا الكون عن طريق إنزاله الماء من السماء ، وعن طريق إنزاله أحسن الحديث . كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم . قال - تعالى - : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَه يَنابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِه زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُه ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراه مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُه حُطاماً ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبابِ . 7 - ثم دعا - سبحانه - الناس بعد ذلك إلى تدبر آيات القرآن ، المشتمل على الهدايات والإرشادات والأمثال ، وإلى اتباع الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم الذي جاءهم بالصدق ، لأن هذا الاتباع يؤدى إلى تكفير سيئاتهم ، ورفع درجاتهم عند ربهم . قال - تعالى - : ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . 8 - وبعد أن عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - في قبضه للأرواح ، وفي كشفه الضر عن خلقه . . أتبعت ذلك بمحاجة المشركين ، وببيان ما هم عليه من ضلال ، وبيان أحوالهم عندما يذكر اللَّه - تعالى - وحده ، وببيان سوء عاقبتهم . قال - تعالى - : وإِذا ذُكِرَ اللَّه وَحْدَه اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ، وإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيه يَخْتَلِفُونَ . 9 - ثم ساق - سبحانه - لعباده ما يدل على سعة رحمته بهم ، ودعاهم إلى الإنابة إليه ، من قبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه الندم . قال - تعالى - : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه ، إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ . 10 - ثم تحدثت السورة في أواخرها عن أحوال السعداء والأشقياء يوم القيامة ، وعن أهوال هذا اليوم . قال - تعالى - : ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّه ، ثُمَّ نُفِخَ فِيه أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ .